حقوق النساء بين مطرقة الجهل وسندان التهميش
" حقوق ايه اللى انتوا عايزينها تانى ما انتوا خدتكوا حقكوا وزيادة "
فى البداية كنت اتصور ان هذا السؤال هو ما يتبادر إلى أذهان الرجال فقط ويتردد على ألسنتهم ، ولكن دهشتى كانت كبيرة حينما فوجئت بان الإناث ايضا يسألن هذا السؤال " ماذا تفعل منظمات حقوق المرأة فى مصر وما هى الحقوق التى تستهدف الحصول عليها بعد ؟"
وحيث ان هذه المدونة هى فى الأصل نسوية فقد وجدت انه من واجبى ان احاول هنا الرد على هذا التساؤل واليكم اجتهادى :
لقد مرت منظمات حقوق المرأة فى مصر بثلاث مراحل كبرى أساسية :-
- المرحلة الأولى هى مرحلة الوعى بالمشكلات النسوية ثم البحث عن حلول لها من خلال المنهج الحقوقى .
- المرحلة الثانية هى مرحلة المطالبة بالحقوق والسعى للحصول على اكبر قدر منها عن طريق استصدار القوانين المحلية والمشاركة فى الاتفاقيات الدولية .
- المرحلة الثالثة هى مرحلة نشر الوعى بهذه الحقوق والعمل على تطبيق القوانين .
ومما لاشك فيه ان كل مرحلة من هذه المراحل قد صاحبتها عوائق كثيرة ، ففى المرحلة الأولى حاربت النسويات من اجل الحصول على الحقوق الأساسية للمرأة كالحق فى التعليم والعمل والمساواة وهى حقوق لم تكن الحكومات لتعترف بها بل إن غالبية النساء أنفسهن لم يسعن لاكتسابها ولم يكن غيابها يعنى لهن الكثير ولذا كانت هذه المرحلة من أصعب المراحل لان اخطر انتهاك للحقوق هو عدم العلم بها اوالسعى لطمسها ، وفى المرحلة الثانية وجهت لهن انتقادات متنوعة عندما خرجت الناشطات النسويات تطالبن بسن القوانين والتشريعات والاتفاقيات التى تكفل حقوق النساء وتطالب بمنع التمييز السلبى ضدهن ووقف العنف والقهر الواقع عليهن ، اما المرحلة الثالثة والتى تمر بها منظمات حقوق المرأة الآن فى مصر فهى لم تنفصل عن المرحلتين السابقتين ولكنها لازالت تتوازى معهما من خلال نشر الوعى بين الرجال والنساء بحقوق المرأة وفى الجهة المقابلة تثابر من اجل تطبيق القوانين والاتفاقيات تطبيقا واقعيا وعادلا وهذا ما ينقلنا الى السؤال الاساسى " ماذا تريد النساء أكثر مما حصلن عليه وما هور دور منظمات المرأة بالتحديد "
وللإجابة على هذا السؤل لابد أولا أن نعى أن المشكلة الحقيقية الآن ليست فى السعى وراء اكتساب حقوق جديدة بقدر ما هى تفعيل الحقوق الموجودة مسبقا ، المشكلة فى قوانين تصدر ولا تطبق فى اتفاقيات يصدق عليها ولا تدخل حيز التنفيذ ، المشكلة فى غياب الوعى الذى- وبرغم كل الجهود لازال - يعبث بمصائرنا .
الحركة النسوية ومنظمات حقوق المرأة لم يكن هدفها مثلا أن تحصل المرأة على حقها فى العمل فحسب ولكن الأهم هو حصولها على حقوقها المادية والإنسانية فى هذا العمل بان تتقاضى أجرا مناسبا وان تتساوى فى الدرجات الوظيفية مع زملائها من الرجال وان يصان جسدها من التحرش فى العمل ، ولم يكن هدفها فقط ان تحصل المرأة على مقاعد فى البرلمان ولكن الأهم هو ان تتاح لها الفرصة الكافية لعرض برنامجها الانتخابي وان يتم ثقلها ببرامج تاهيلية عالية لأداء هذا الدور وان تساندها وتقف وراءها الاحزاب والمجالس المحلية وأجهزة الإعلام المختلفة .
كما كان من أهم أهداف منظمات حقوق المرأة فى مصر هو تصحيح صورة المرأة عن نفسها – والتى ساهمت وسائل الإعلام والثقافة الاجتماعية فى مغالطتها وتشويهها- فأصبحت المرأة ترى فى نفسها مواطنا من الدرجة الثانية وكائنا ناقصا ضعيفا وجاهلا يحتاج الى من يقوده ويعوله ويحميه وترى فى نفسها وسيلة للمتعة الجنسية وعورة لا يجب ان تخرج من منزل والدها الا إلى منزل زوجها او إلى القبر ، حتى صارت الأنثى وخاصة فى مصر تسير عبر التاريخ وهى تتثاقل بالأعباء والموروثات المجتمعية التى تفرض عليها مسئوليات منزلية ومسئوليات علمية وعملية لا حدود لها ثم تتهمها طوال الوقت بانها غواية شريرة وناقصة عقل ودين ، وتلك الأعباء المجتمعية هى التى تحملها ايضا نتاج اخطاء المجتمع كله فإذا تحرش بها احد الطائشين المستهترين – وهم كثر – تكون هى السبب لأنها " لابسة محزق ومش ماشية على بعضها " وإذا اغتصبها احد الذئاب المجرمين تكون هى السبب لأنها " اكيد عملت حاجة بطالة طمعته فيها " وإذا فشل او مرض احد ابنائها تكون هى السبب لأنها " بتشتغل ومش فاضية تاخد بالها من العيال " وإذا تزوج عليها زوجها تكون هى السبب لأنها " واخدة بالها من البيت والعيال وهامله راجلها " وإذا مات زوجها تكون هى السبب لأنها " قصفت عمره وجابت اجله بدرى " !!!!!!!!!!
هذه ما فعلته بنا الموروثات الثقافية المظلمة حتى وصلنا إلى الكارثة التى لا تعقل أبدا : ان من يردد هذه العبارات هن وللأسف نساء ...... نساء يتحيزن ضد النساء ..... نساء يرسخن العنف ويعدن تكريسه ... نساء يحرضن أبنائهن وإخوانهن على ضرب زوجاتهم وقتل بناتهم ويدافعن ويتسترن على المتحرش والمغتصب والقاتل ولكنهن ايضا ضحايا للنسق الاجتماعي والنظام الابوى – مثلهن مثل الرجال - .
ومن اجل تصحيح هذه الصورة المشوشة والمعتمة فى الرجال عن النساء وفى النساء عن أنفسهن دأبت المنظمات الحقوقية والنسوية فى مصر والعالم العربى على تطوير برامج متنوعة تتناسب مع كل الفئات وتتوازى مع عمل البرامج التاهيلية والتنموية والحقوقية التى تعمل على تمكين النساء من معرفة حقوقهن الأساسية والمطالبة بها دون ان يطغى هذا على حقوق الاخرين .








علِّق